في مهب الحياة.. الشخوص قد تنقلب على نفسها “على صفيح ساخن”

شام تايمز – آمنة ملحم

يدهشنا الكاتبان علي وجيه ويامن الحجلي في نصوصهما، إذ يختبرا على الدوام الدخول إلى عوالم جديدة في الدراما، وقد تكون بعيدة أحياناً عن الانتباه في الواقع.

اختار الكاتبان هذا الموسم عالم “نباشي القمامة” مع مسلسل “على صفيح ساخن”  بكل ما يحمله من تفاصيل لأناس مسحوقين في القاع ليثيرا فضول المشاهد نحو التعرف على هذا العالم الذي يلحمه من بعيد وبشكل عابر في الحياة ليطغى شعور الشفقة  مع القرب منه ولكن النظرة تغيرت هاهنا، فيبدو شخوصه على الشاشة كشبكة منظمة تعمل بأمر من “الآغا” عبد الفتاح مزين، وتضم صغاراً ومراهقين ينهش جسدهم وحياتهم “الطاعون” كوباء على هيئة بشر بشخصية من لحم ودم “سلوم حداد” بحثاً عن مجد منفرد، حتى ولو على حساب راحة وحياة ابنته الوحيدة، فلغة المال هي الحاضرة الأولى لديه.

لا يقتصر العمل على الدخول بعالم واحد بل تتفرع مواضيعه فنجد عصابة للاتجار بالمخدرات بنمط لم نراه من قبل وكمن يدس السم في العسل، تدس عصابة “أبو كرمو” عبد المنعم عمايري وأولاد عمه “وائل زيدان، شادي الصفدي” الترامادول في “الحلويات” لتحصد إدمان زبائنها، وبجرأة عالية في الطرح نجده متستراً بغطاء الدين، والجمعيات الخيرية التي تقف زوجته في واجهتها “أم كرمو” نظلي الرواس دون علم لها بما تخفيه وتستره من أفعال لزوج متورط في الجريمة وغارق في الممنوعات.

عائلة “الحجار” المجتمعة في اسم العيلة فقط نجدها متفرقة في المصالح الفردية، وفاتحة الأبواب في كل شخصية على حكاية خاصة، فهند “أمل بوشوشة” الزوجة المخدوعة رغم الحب، وهلال “باسم ياخور” الأخ الأكبر العاجز عن لم شمل عائلة فرقتها ويلات الحرب، و”هاني” ميلاد يوسف الطبيب الذي يجد نفسه مضطراً للبدء من الصفر مجدداً، وسليم صبري العم المقهور بأبنائه، و”طاهر” يزن خليل الابن الطماع الباحث عن سطوة لنفسه، و”ريما” علياء سعيد الصحافية العائدة بعد هجر للمهنة.

العمل يحمل بانوراما سورية بمزيج من القضايا الجدية، التي تتصاعد مع منتصف المسلسل نحو ذروات لشخوصه كافة، بحكبة متينة تحمل التشويق والمتعة، لنجدهم ينقلبون على أنفسهم ويبدؤون بالتشكل من جديد بعيداً عن المتوقع مع الدخول في المحظورات بمكاشفة مع الذات، فيخلع هلال ثوبه داخلاً عالم عصابات قتل وتهريب واتجار بالمخدرات، بحثاً عن خلاص فردي، وتلبس هند ثوباً جديداً مع بصيص ثروات تلمع بوجهها بالتعامل مع أم كرمو، وتعود ريما أدراجها نحو عالم الصحافة الجدية “على صفيح ساخن”، بينما يسعى طاهر لتطهير نفسه قبل فوات الأوان، وتطول مخالب الطاعون بعد فقدانه لثروة عمر بلمح البصر.

 

اتبع العمل نمطاً جديداً في الدخول لحكاياته، فكانت عبارة “في وقت سابق” بطلة لكل حلقة، وبوابة لأحداث لم يصل شخوصها لهذا الحال لولا ما ألم بها في الماضي، بفكرة جديدة زادت من ألق الحكاية وأكسبتها طعماً خاصاً وكأننا نبدأ الرحلة من جديد، بتشويق مدروس، مع إعطاء كل شخصية في العمل حقها بالظهور ومساحتها الكافية من الحكاية.

 

مخرج العمل سيف سبيعي استطاع إكساب الحكاية ورقة رابحة بعدسته، التي اجتاحت تفاصيل الأماكن، ونوعت لقطاتها وزوايا التصوير بشكل يدعم الحكاية ويزيد من درجة الإقناع، كما اختار شخصياته بمقاسات مفصلة على البكلة فالكل هنا أبطال في الدور وفي الأداء، مع إدارة جيدة للممثل1ذ، فيامن الحجلي “عياش” بدا مختلفاً، وكذلك الخفاش “عبد الرحمن قويدر” الذي أدى مشاهداً تطلبت حرفية عالية، و”رواد” سليمان رزق بدا ناضجاً، أما الطاعون “سلوم حداد” فجسد وأقنع وأمتع، لتكون تمارا ” جنى العبود” مفاجأة العمل بأول دور تمثيلي لها ولكنها أدت باحترافية تحسب للمخرج ولها، وتمهد بظهور قادم يفتح العين عليها، أما نظلي الرواس “أم كرمو” فحكاية بأكملها في الأداء مع لازمة درامية “الحبابة” صعدت من ألق حضورها وظهور مختلف “بالحجاب” تفتح عبره أبواباً على نماذج مجتمعية قل ما يتطرق عمل درامي لها، وعوة متألقة لعبد الفتاح مزين إلى واجهة أدوار البطولة، وتماهي عالي مع الشخصية في أداء “باسم ياخور” كعودة قوية للدراما الاجتماعية بشخصية مركبة متفاوتة بين القوة والانكسار، و”شمس” سمر سامي الحاضرة كالنسمة بأسرار تتعب القلب، وحضور طاغٍ مهما صغر حجم الدور.

أما حضور “أمل بوشوشة” رغم أنه جاء لطيفاً ولكنه غير مبرر سوى بضرورات التسويق.

وتكاملت عناصر العمل مع الأزياء والمكياج، اللذين جاؤوا منسجيمن مع ظهور كل شخصية وفق الطبقة الاجتماعية التي تنتمي إليها الشخصيات.

العمل يتصاعد بوتيرة مستمرة ويفتح الأبواب نحو المزيد من القصص والمصائر التي باتت تثير الفضول فمن حمل التعاطف هل سيستمر بحصده؟، ومن استفز المشاهد هل سينقلب أيضاً على نفسه؟.. العمل مستمر وللحكاية بقية يبدو أنها ستكون “على صفيح ساخن” أيضاً.

شاهد أيضاً

درة تستعد لـ “جروب الماميز”

شام تايمز – متابعة تستعد الفنانة التونسية درة زروق لعمل جديد، تحت عنوان “جروب الماميز.. …

اترك تعليقاً